السيد عبد الأعلى السبزواري

284

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الممكنات مسخّرات تحت إرادته عزّ وجلّ ومستمدة من مدده ، قال تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ سورة النحل ، الآية : 67 ] . ويستفاد من الآية الشريفة أن ما أوحى اللّه تبارك وتعالى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هو الصحيح المكنون في علم الغيب ، ولا يوجد عند أهل الكتاب ، بل لا عبرة بما هو الموجود عندهم ، لعدم سلامته من التحريف ، ولا عند قوم الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، لكونهم أميين لا يعرفون هذه القصص بوجه من الوجوه . ونظير هذا التعبير ورد في قصة يوسف : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [ سورة يوسف ، الآية : 102 ] ، والقصتان متشابهتان من حيث أن يد التحريف نالتهما ، وأنهما لم تذكرا بهذه الخصوصيات التي وردت في القرآن الكريم في كتب القوم . قوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ . أقلام جمع قلم ، ومادة ( قلم ) تأتي بمعنى القطع في أي هيئة استعملت ، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم مفردة وجمعا ، قال تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [ سورة القلم ، الآية : 1 ] ، وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [ سورة لقمان ، الآية : 27 ] ، ويسمّى القدح قلما لأنه مقطوع في الجملة أيضا ، وقيل : لا يقال للقلم قلما إلا بعد البري ؛ ويسمّى قبله قصبة ويراعة . وما روي أنه صلّى اللّه عليه وآله : « كان يأخذ الوحي عن جبرائيل ، وجبرائيل عن ميكائيل وميكائيل عن إسرائيل وإسرافيل عن اللوح المحفوظ واللوح عن القلم » ، فهي إشارة إلى معنى إلهي سيأتي تفسيره في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وإلقاء الأقلام نوع من القرعة التي قرّرتها الشريعة المقدّسة الإسلامية ، فقد ورد فيها : « القرعة لكل أمر مشكل » ، أو « كلّ أمر مشكل ففيه القرعة » ، وهي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار ، فتشمل كلّما يسمّى قرعة كيف كانت ، ويأتي في قوله تعالى : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [ سورة الصافات ، الآية : 141 ] بعض الكلام .